المقريزي

30

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وسافر مع السّلطان ، والصّدر بالقاهرة على ما لم يزل عليه من الحشمة والسّراوة وترداد الناس إليه إلى أن عاد الملك الظّاهر من بلاد الشام في صفر سنة سبع وتسعين واستمرّ بالبدر محمد بن أبي البقاء إلى يوم الاثنين حادي عشر شعبان استدعى الصّدر محمد المناوي وأفاض عليه التّشريف وأعاده إلى منصب قضاء القضاة بعد ما ردّ إلى الأيتام ما كان اقترضه من مالهم عند سفره على يد البدر ابن أبي البقاء ، وهو مبلغ خمس مائة وخمسين ألف درهم فضة تسلّم ذلك أمناء الحكم في تاسع شعبان المذكور ، فباشر الصّدر منصب القضاء مرة ثالثة إلى أن حضر عند السّلطان بسبب بعض الأوقاف فعارض السّلطان ولحّ في المعارضة واحتدّ حتى حسر عن ساعده ورفع صوته وكثر صياحه ، فغضب من ذلك السّلطان ، وانفضّ المجلس فاستدعى على حين غفلة بتقي الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد النّاصر الزّبيري المحلي أحد نوّاب الصّدر بالقاهرة وقلّده وظيفة قضاء القضاة في يوم الخميس ثالث عشري جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبع مائة ، فباشر ذلك . واستمرّ الصّدر على عادته وتصدّى لإقراء كتابه الذي عمله شرحا لكتاب « المصابيح » فسمعته عليه في داره وأكثرت من الاجتماع به في هذه البطالة ، وما زال على ذلك إلى أن استقرّ فتح اللّه بن معتصم الدّاودي في كتابة السّرّ فتحدّث مع الظّاهر في إعادة الصّدر فأجابه واستدعى بالصّدر في يوم الاثنين خامس شهر رجب سنة إحدى وثماني مائة وقلّده قضاء القضاة عوضا عن التّقي عبد الرحمن الزّبيري ، وهذه ولايته الرابعة ، فنزل من قلعة الجبل بين يديه عظماء الدّولة وأنا يومئذ أتقلّد حسبة القاهرة والوجه البحري ، فكان أحد الأيام المشهودة إلا أنه لمّا وصل إلى باب المدرسة الصّالحية وأراد أن ينزل - كما هي عادة القضاة إذا ولوا - سقطت عمامته عن رأسه فتقالّ الناس عليه وتطايروا من ذلك فاستمرّ يباشر على عادته إلى أن مات الملك الظّاهر في شوال فسرّ بموته سرورا كثيرا لما كان يخشاه من الإيقاع به ، وأظهر لي الفرح بذلك وزاد في